الجمعة، 29 يونيو 2018

بدون - دراويش الضياع

                                                                               كتبت / هبه يونس النيل                                                         
 "بدون2" ، فيلم تونسي 2014 فيلم يتركك في حالة من الراحة والإئتناس رغم رحلة الضياع المسيطرة على كل شيء في الفيلم : أحداث ، شخصيات ، أماكن ، تصوير ..
الفيلم إخراج جيلاني سعدي ، ويدور حول عبدو (مجد مستورة) و عايدة (سارة حنشي) شاب وفتاة التقيا مصادفة في سيارة عبدو ، يصدمون عجوزا وينقلوه معهم ويصبح هو همهم طوال  الطريق .
المكان هو تونس والزمان في الوقت الحالي .
إخراج الفيلم جاء حيويا في تناول حركة الممثلين وشعورهم وبخاصة في مشهد عايدة (سارة حنشي) وهي تخرج على دراجة من الأزقة الضيقة ، مطلقة شعرها في الهواء بسعادة ، وحركة عبدو(مجد مستورة) وعايدة(سارة حنشي) و العجوز(جيلاني سعدي) في الماء واصطدامهم بالقاع عدة مرات ليصعدوا ؛ وكذلك كان التناول جريئا فيما يخص المشاهد الجنسية لعبدو (مجد مستورة) بدون أي عري يذكر .
اظهر الإخراج ضياع الاثنين معا وجسدّهما بعدة مقاطع بالأخص عندما يستند عبدو وعايدة على باب فتنفتح إحدى ضفتيه لإظهارهما بدون حائط إتكاء ايضا.
جاء استخدام الأماكن موفقا فكانت واسعة تتراوح بين صحراء مع سماء ، بحر مع سماء، خضرة مع سماء : دائما فراغ يعكس التيه وغياب الوجهه للشخصيات التي عكست الضياع العام.
وكان بناء الشخصيات متمشيا مع الحالة العامة ، حيث الشاب والفتاة / الرجل والمرأة هما رمزا للمجتمع ككل ، في حالة من اللاوجهه حيث عبدو(مجد مستورة) شاب بلا هدف : يسكر ، ينام مع امرأة متزوجة ، لايملك شي غير سيارة بالية وحتى "بدون" أهل فأمه متوفاة وبدون إرث منها إلا مرآة قديمة .
عايدة (سارة حنشي) فتاة بلا سكن و“بدون ”عائلة فأمها تهملها ولاتتذكر تفاصيلها : مثل انها تكره المكرونة البحرية ،  تنام في البنايات المهجورة والسيارات التي ينسى اصحابها إغلاقها ، تعاني من فوبيا الظلام لذا تحمل دائما كشاف نور .
ورغم انها تحمل كتابا معها وتجيد الكتابة بالفرنسية لكنها تصدق الخرافات والسحر ، تساعد عبدو(مجد مستورة) في الإغتصاب وترتعب من فكرة إغتصابها وتهرب بإستماتة من ذلك.
كذلك هي في حالة ضياع بين ذكورية السلوك والملابس والأنوثة المظهرية في مشهد الرقص أو في الاستحمام في البحر ولم تظهر رقة انثوية غير عندما خافت من السرعة و من الزحام فتشبست بساعد عبدو وعندما خافت على العجوز/الجثة/الأب واسعفته بأمومة.
سلوى ، حبيبة عبدو: المتزوجة والأم التي تمارس الحب مع عبدو(مجد مستورة) وترسل له بالطعام(يبدو رمزا للجنس) ثم تتبع ذلك بإيذاءه إما بطعنه في أعضاءه او بإلقاءه في صحراء.

ظهرت صدفة التقاء الشاب والفتاة أول مرة مقنعة وخالية من الإفتعال ؛ والسرد حافظ على الدائرية : حيث انتهى بنفس مشهد البداية على حوض محبوس به سمكتان ربما اسقاطا على الفتي والفتاة .

المشاهد كانت تنتقل بسلاسة حتى مع اختلاف المواقف وانحصار الخطّية عن السرد ، والإضاءة واقعية بأغلب الأحيان كما التصوير طبيعي بدون تقنية عالية.
ملابس عايدة(سارة حنشي) جاءت ملائمة وبالاخص غطاء الرأس الذي كان احيانا ينسحب ليظهر شعرها واحيانا يلتف بإحكام ليخفي شعرها تماما معطيا إياها مظهرا ذكوريا ؛ وكأن ربطها لشعرها نوع من الحماية والانسحاب من جانبها الأنثوي للجانب الذكوري ، فعندما رفض عبدو وجودها وقرر الذهاب للإنتحار لملمت شعرها بتلقائية لتخفيه كاملا داخل الغطاء .
وملابس العجوز/الجثة الغائبة عن الواقع كانت عاكسة للمعنى.
التمثيل ظهر كأنه بلا تمثيل اطلاقا ، خالٍ من الدراما وبدون أي مبالغة تذكر في الآداء ، وطريقة الحديث كانت ملائمة للشخصيات فهي عنيفة مع عايدة مستكينة ومتخاذلة مع عبدو .
الأغاني المصاحبة للعمل مختلفة جذريا في نوعيتها وكأنها ايضا تمثل تشتيتا وضياعا للهوية وسط مجموعة موسيقى مختلفة : راب وراي وصوفي اليكتروني وعربي قديم.
وموسيقى ضافر يوسف "
soupir eternel" جاءت في محلها مع مشهد الإغتسال في الماء لما للماء من رمزية التطهر والتجدد.
بعض العناصر جاءت رمزيتها موظفة بالعمل بشكل واضح للمُشاهِد:
المرآة التي تعكس السماء(ماهو بعيد عن الواقع) وصور الموتى(أم عبدو(مجد مستورة)) وبمرة وحيدة عكست الصورة الحقيقية لعبدو عندما كان يحاول الموت دفنا .
المياه : واستخدامها كوسط تحول للشخصيات يتغيرون بعد الإستحمام فيها : فقد قام العجوز/الجثة بعد ان استحم في الماء وشرب الماء وعاد عبدو للحياة بعدما أوشك على الغرق.
حوض السمك: كرمز للسجن الحالي للرجل والمرأة عاكسا لوضع مقلوب لرئيس معزول في الخلفية.
 فيلم بدون هو فيلم عن ناس بدون أي شيء وحتى بدون هدف أو وجهه ، في ضياع مستمر من سكر ، لطريق بلا هدف ، لضياع الأب/الجثة لضياع في النوم ليجدوا انفسهما عند الاستيقاظ في حال مغاير،فهم دراويش الضياع.
ورغم بساطة التفاصيل والتصوير ورغم المعنى المسيطر على الفيلم ، يترك للمشاهد شعورا بالضياع الجميل كفيلم فني بجدارة.

ديسمبر 2015

Author:

I am a whole universe 

0 comments: