السبت، 14 أبريل 2018

في الرحلة الدائرية


"قد تفتت لملايين الاجزاء .. بالخارج ها هنا في الفضاء ، الظلام كنيسة هائلة والنجوم شموعها.. وبخلاف كل هذا: نحن متجهون للرب "                                        قصة: رحلة قصيرة – راي برادبوري

تستثمر م.بيللويز ، السيدة الكهلة التي خاضت الكثير من التجارب الروحانية وجاورت الشامان الهنود وحكماء الغابات أموالها في الرحلة للمريخ ، متبعة اعلان يعد الزبائن برحلة للفضاء حيث الاقتراب من الله.وهي التي لم يتزحزح ايمانها ابدا، بقيت قابضة على قناعاتها متطلعة لرؤيته ومجاورته. لم تدخر وسعا في التمسك بأي شيء على الارض فكان هذا منتهى حياتها وامنيتها طول عمرها. ولكن طال انتظارها هناك في نزل الانتظار على الكوكب الاحمر، مستنزفا منها 20 دولاراَ يوميا للاقامة وكانها تمتلك اختيار المغادرة وذلك : في انتظار الصاروخ الذي سيقلها للرب بقيادة الملاح المخلَّص السيد/ سيركل.

وطال الانتظار و تخرج السيدة لتجد ان بالنزل عشرات الناس مثلها: ينتظرون منذ ايام و اسابيع وشهور ظهور الملاح المخلص او الابحار برحلته المزعومة للرب.
هؤلاء الاناس لم يعد باستطاعتهم الرجوع، ولا يستطيعون الا ان يبقوا في هذا السجن الذي تصف فيه السيدة/بللويز الغرف بالزنزانة. ولكن كم شخصا مثلها ومثل هؤلاء بالعالم. كم شخصا ضحى من أجل مجتمعه المغلق فقط ليصدم ويجد خلافا لامنياته؛ سواء كان هذا المجتمع طائفة،جماعة ،عصابة أو حتى رابطة جامعية مغلقة.

هل كان هؤلاء الناس حقا يهربون للإله، أم يهربون من حياتهم وينتحرون منها مثلما يطلب المراهقون الانضمام للعبة الانتحار:الحوت الازرق ليكتشفوا بعدها أنه كان عندهم حياة بها ما هو قيم للغاية ويخشون خسارته.. أو يفجر المتشددين انفسهم في جوامع وبيوت دين ومواطنيهم مضحين بحيواتهم بلمحة من أجل لقاء الاله السريع.
هل منطقي أن يترك شخصا بيته وعمله وأهله ويسقط حياته من أجل رحلة بالصاروخ بلا عودة؟ أم أن هذه أمنيات قد دفعت دفعا لعقولهم مع التكرار والانتشار أو كما يجملها البعض تحت مسمى
:تقنيات غسيل الأدمغة:
1- خيانة الذات 2- نقطة الانكسار 3- تحديد المكان/العزل عن الخارج 4- الاعتراف بالضعف/الاحتياج 5- تقنين الذنب  6- اطلاق صراح الذنب 7- التقدم والتناغم مع الجمع 8- الاعتراف النهائي والبعث. 9- اللغة الموحية  10- الديكتاتورية مع الفرد11- لاسؤال(قبول اوتوماتيكي) 12- الخوف 13- التكرار .
هذه كلها بعض من طرق غسيل وبرمجة العقول، وتظهر بهذه القصة تجليات واضحة للكثير من تقنيات غسيل الأدمغة:
فالإنتظار التعذيبي في نزل المريخ هو اقامة جبرية و تضييق كالسجن يدفعهم لنقطة الانكسار والخوف والاعتراف بالضعف ومن ثم الاصطفاف مع بعضهم البعض في جمع مريخي ، وأثناء ذلك يتم اضفاء صفات اسطورية على المخلص (سيركل) فعينيه مصريتان تنومان المقيمين ومايفعله من تصرفات عادية بالنسبة لهم معجزات غرائبية فحول الربان يلتف الجميع، ولا أحد يسأل/يشكك أو يعترض.
حتى تحدث المفاجأة المتوقعة ، ويكتشف الجميع أن الصاروخ المزعوم لرحلة الرب هو خردة ستنفجر فور الاقلاع. ولكنه كان اكتشاف بعد فوات الأوان.

ربما كان يمكن محو آثار السيطرة العقلية.. ربما كان يمكن خرق العزلة التي تسمح بالاستغلال الذهني ، أو كسر الاسطورة/الاساطير التي تقوم على خداع وايهام الناس حتى حتفهم كل لما يصب في مصلحة قائد القطيع، ربما كان يمكن ايقاف تنويم الوعي هذا، والحفاظ على حيوات المئات والآلاف، ربما..
لكن من كان بمقدوره أن يدرك حدوث الاستلاب من عدمه؟ من كان يمكنه انقاذ السيدة بللويز من اختطاف حقلتها ومحنة وعيها الا مخلصها الأوحد: نفسها.

 هبه يونس النيل
14 ابريل 2018



Author:

I am a whole universe 

0 comments: