السبت، 18 فبراير، 2017

أنس خطابات أنسي الحاج لغادة السمان


برغم صبغة العملية التي حاولت بها غادة السمان تقديم كتابها، الا أن تعليقاتها المقتضبة،هوامشها وعناوينها كلها تعكس انطباعا واحدا: انها امرأة تقدمت بالعمر،تخالجها أنوثتها التي لاتنضب، تقلب ذكرياتها بهدوء حتى تنتعش وتتجدد برائحة الحنين أو كما تسميها هي النوستالجيا.

رسائل أنسي الحاج لغادة السمان والمنشورة في طبعتها الاولى يناير ٢٠١٧ ،بكل ما أثارته وتثيره من ضجة ولغط هو مقطع عرضي مكبر ميكروسكوبيا بفضفضات الحاج عن بدايات وفورات ومبررات وخلجات قلبه وعقله في طريق حبه للسمان.

الرسائل المنشورة هي ٧ رسائل فقط،مذكور في أولها التاريخ والاغلب غير مترخ. وبرغم ذلك توثق بدقة ولادة الحب وكيف استقبله الحاج وكيف تعامل معه ،وتعلق به.
في البدء صدم الحاج عندما اكتشف ولعه بغادة ، ذًعر وارتعب، ايقن فقدانه التحكم فيما يخوض فيه، ولذا داهمه الشعور بالذنب تجاه ذاته ربما لحدوث هذا الوله من الاساس بما يتضمنه من خيانة لوحدته الاثيرة التي لازمته "حتى في احلك اللحظات ظلمة" ، والفوضى والعجز عن تحديد ماهية شعوره وتدخل غادة فيما بينه وبين نفسه حتى تمردت عليه.

حتى وجد نفسه في خواء،غربة ووحدة حتى وجد انه "غير موجود في نفسه".

ثم وبعد الهلع الاول،انكر ورفض التصديق لهذه العلاقة(الجريمة) كما يسميها.
"لا أريد أن أحب. لا أريد أن احب هكذا "

وككل صاعقة ، انتهى لقبول الواقع،والاعتراف بالامر والقيام بماهو طبيعي في هذه الحالة: القبض على هذا الحب.

يظهر من الرسائل سمات شخصية أنسى وطبعه المباشر: فهو يتصرف كرجل قوي يريد السيطرة على العلاقة والمشاعر مع انه يتواصل بانتقائية مع الحبيبة الند لكنه ذو داخل رقيق وهش ورقراق.
رجلا واضحا في نواياه، صادقا لكنه يحمل كبرياء العالم في هوية الشاعر الشجاع في الارتماء داخل الحب والمدجج بالغيرة الشرقية.

يظهر بباقي الرسالة : الاولى والتالية مصارحته الجلية بالحب وتطلعه التمسك به بقوة وبلا أدنى لباقة، مبتذلة.
يبرر لها تهافته فيذكر لها عدة أسباب في حكي من الروح:
  • عن ماقبل لقائهم، عن انجذابه الغامض لها و اكتشافه لمعرفته الباطنية بها،عن تعلقه الذي زاد يوما بعد يوم وتوحش لاحتياج وجوع لها .
  • عن ماتراه هي سرعة ويراه هو مهل وبطء تعمده حتى يختمر ، عن تلافيه لخطيئة قديمة في الحب مع أخرى تبادلا فيها الريبة والحب .

  • عن ايمانه بحقه فيها كشرعية وحيدة، كإنها نٔذرت له، كاختيار اخذه بحرية فاصبحت مسؤلة عنه شائت أم أبت.
  • عن "الحاج" المفعم بالكبرياء يملي عليها لآليء حبه الذي لن تعرف أجمل منه.

  • عن عدم قدرته على قتل هذا الحب،عن احتياجه لها وعن احتياجها له رغما عن عدم اعترافها بذلك.
  • عن الحب،الوجود،الرغبة وكيف يرى العالم،  عنه هو الهارب من كل الشئ عنها الهاربة من كل شئ ولا تريد أن تحب وهو الذي ينكر ذلك عليها تماما.
  • عن خوفه من الوحدة والعزلة.
  • عن رغبته العارمة في ضمهها واحتلالها وتعريتها من كتمانها، أن يبثها الايمان فيه حتى تتخلى عن خوفها وحذرها منه وتؤمن بانها ليست حرة في ان تفعل ماتريد ان تفعل أو أن تكون مع من تريد.
  • ان تشبسه بها بلا هوادة" لن ادعك تتراجعين ،ص٢٧".
  • عن معرفته انه يحب لانه لايستطيع ان يكون غير ذلك،وفي وجه هذا العالم.

ثم يبلغها، انه انتظرها ولم يتزوج، فهي من يتحد بالعالم فيها وهي امله لهذه القدرة على التواصل.


وبعد عشرة سنوات من هذه الرسائل وبعد زواجها بآخر، يعاود الكتابة عن ابداعها.

انطباعي عن أنسي انه كان ينفخ في بوق مكسور، كان ممتلئ بالحب والصدق ،ولم يظهر من الرسائل الاحادية والهوامش المقتضبة ان غادة كانت على قيد المقايضة العشقية نفسها بحجمها ذاك وزخمها .

تجربتي الشخصية مع الكتاب الصغير الغني، هو القشعريرة منذ السطر الثاني
لا أدري السبب على وجه الدقة: ربما لبهاء الحب بين كاتبين وفرط اشعاعه في رسائل ربما اختبرت مثله في حب قديم، ربما الصدق اللازع في الاشتباك والعنفوان والحرية في تلك العلاقة الغامضة القائمة بقوة على التواصل الذهني ، وهو شعور نسيت ماهيته مع ندرة حدوثه ، لكنه مؤكد أن تلك القشعريرة من شعوري بالخسارة الذاتية وأنا امضغ حياتي في وظيفة مكتبية مملة ، يفوتني كل جمال العالم في حب بحجم الحياة .



Author:

I am a whole universe 

0 comments: