الثلاثاء، 23 فبراير 2016

فيلم رعب يبشر بالحب


فيلم (ملكة الملعونين - 2002) للمخرج مايكل ريمر فيلم رعب محوري هوليودي من نوعية أفلام مصاصين الدماء، والتي تستند على سلسلة روايات آني رايس : سيرة مصاص دماء ، الفيلم يدور طوال الوقت رغم الفزع والإثارة حول "الحب" كمحرك ظاهر أو خفي للشخصيات وذلك بأشكال مختلفة منه : رومانسي، أسري، أمومي، صداقة، شراكة.

التمثيل كان جيدا وبالأخص من ليستات (ستيوارد تاونسيند) وأكاشا(عاليا) ، كذلك أجواء الفيلم الغير مألوفة حينها، المسحة الأسطورية والجذور الفرعونية والحوار الأدبي بأغلب الديالوجات جعلته مميزا ومختلفا.


الفيلم يدور حول ليستات(ستيوارد تاونسيند) مصاص الدماء الذي يستيقظ من تابوته بعد ثباته لقرون على صوت موسيقى تنبعث من منزله، ويصبح معبودا للجماهير كمغني ميتالز لكن موسيقاه توقظ أكاشا(عاليا) ملكة مصاصين الدماء الذي تسعى لتغير وجه العالم.

بين الوحدة، الموسيقى والحب تدور رحي الأحداث في هذا الفيلم الاخآذ، فبينما الوحدة توجع قلب ليستات (ستيوارد تاونسيند)مرددا (- better dead than alone أفضل أن أكون ميتا عن وحيدا( وتضلله للبحث عن صحبة مبتعدا تماما عن الحب أو الأعجاب بسبب عقدة عنده منذ قتله الأول لامرأة انجذب لها، تتوه جيسي(مارجريت موريو) أمينة المكتبة اليتيمة بحثا عن حب عائلة تتذكرها ولا تجدها يحركها معزّة عمتها محاريت(لينا أولين) التي ابعدتها منذ الصغر، وعمتها تتعامل مع الأبدية كمصاصة دماء خالدة بالحب الأمومي التي توليه لأبناها وأحفادها، وأكاشا(عاليا) التي بفقدان حبيبها تتحجر وتفقد الشغف بالعالم، وكلها شخصيات تبحث عن الخلاص الذي ذكر مرارا في أغنية الفيلم الرئيسية Redeemer المخلص؛ والذي كمن طوال الوقت في الحب.

التمثيل من البطلة كتجربة تمثيل ثانية، كان جيدا ومن البطل جيد جدا حيث جسد مجموعات من المشاعر المختلفة بطول الأحداث : الكبرياء، الرعونة، المجون، الاعجاب، الإحجام، الانسياق،الفروسية والانقاذ، الشغف والحب. لكن تمثيل مشاهد متعددة بجذع عار مع نحوله الشديد، أخلف مظهرا بائسا وانطباعا ينافي مايبشر به السيناريو عن خالدٍ يريد صناعة اله من نفسه.وحبيبة البطل "جيسي (مارجريت مورو)" كان تجسيدها في المشهد الختامي جيدا عاكسا طبيعة بدت مختلفة عن الشخصية الممثلة طوال الفيلم، ولكن غير ذلك كانت أقرب لفتاة منزل في تفاعلاتها وردود أفعالها حتى في أقوى لحظات الحب، وليس تجسيدا لمغامرة متمردة تبحث عن مصاصين دماء كما هو رسم الشخصية.



التبشير بالحب والشغف اتسق بتطابق مع مشهد اشتعال النيران على الممر المؤدي لأكاشا(عاليا) ومليكها. لكن اظهار بؤس ووحشة مصاص الدماء وبحثه عن فتاتي ليل ( مع الاخد بالاعتبار رمزية مص الدماء الأدبية وتأوليها كعلاقة جنسية) ثم تسلقه الهزلي على السقف والانقضاض عليهن، كان غير مبررا وخارج نغمة الفيلم السائدة وهي الوحدة الأبدية.

الأغاني في الفيلم كانت مرآة جلية لمشاعر الابطال والاحداث وبالاخص في "نمت كثيرا بدونك" حيث تعنى بحالة البطل الخاصة وتوقه للحب دون قدرته عليه: Touching you makes me feel alive, touching you makes me die inside .

المؤثرات في تضخيم صوت البطل لم تتناسب مع مظهره وانما كانت مستساغة بعض الشيء مع البطلة ربما لحدة صوتها الأنثوي، كذلك صوت الالتهام الحيواني عند مص الدماء كان وقعه مزيفا على الأذن.

أما الموسيقى فهي ايقونة أساسية في جوهر الفيلم: الحب، فبها الخلاص-التواصل/العشق؛ فأول عزف موسيقي كان بين ليستات(ستيوارد تاونسيند) والعازفة الغجربة كتعبير عن تودده منها، العزف الثاني كان منه لأكاشا(عاليا) الذي أفاق به شغفها وحركّها من جمودها الحجري، موسيقى ليستات(ستيوارد تاونسيند) هي ما بعثت الملكة واحضرتها في اثره وقتل أكاشا(عاليا) لخصومه وحرقهم كان على خلفية أغنيته، وكان الحفل الموسيقى الأخيرهو اشبه باحتفالا بالخلاص حيث وجد كل طرف مابحث عنه؛ فدائما الموسيقى حاضرة في محاور الأحداث.


اخراج القصة جاء سلسا وتصاعديا في السرد فيماعدا قطع فلاش-باك بزغ فجأة عند قراءة مذكرات ليستات(ستيوارد تاونسيند) وعندما تَتابع السرد المتنامي ثانية كان الوصل والفصل غير واضحا مما يربك المشاهد ويتركه يتسائل: في أي زمن نحن؟



اختيار المكان جاء ملائما خاصة في منزل ماريوس(فينسينت بيريز) بالجزيرة المنعزلة ومنزل ليستات(ستيوارد تاونسيند) القاتم وكذلك منزل محاريت(لينا أولين) والصحراء في Death Valley"  - وادي الموت" ذات الاسم الموحي، لكنه اختيار المكتبة (تالاماسكا) كان وقورا ومحافظا بما لايتناسب مع اختصاصها في العلوم الهامشية كمصاصين الدماء والماورائيات؛ وكذلك ملابس الابطال كانت جيدة في العموم ومميزة مع أكاشا(عاليا).

السيناريو بُني على ركيزة انسانية قوية ممايجعله صالحا للمشاهدة بأي زمن رغم نوعيته الاستهلاكية كفيلم رعب، والحوار كان دائما شكسبيريا وشاعريا على لسان ليستات(ستيوارد تاونسيند) واحيانا صانعه ماريوس(فينسينت بيريز) وشريكته أكاشا(عاليا)، منها:

You must be dead to the world

يجب أن تكون ميتا أمام العالم
In the end, we are alone, and there is nothing but the cold, dark wasteland of eternity

في النهاية، نحن وحيدون ولايوجد شي غير برودة أرض الأبدية البور.

Old gods on new streets.

آلهة قديمة في شوارع اليوم.

They believed in nothing, now they are nothing

لم يؤمنوا بشيء والآن هم لاشيء

And soon the sun will no longer sting your eyes

وقريبا لن توخذ الشمس عيناك

Its only your body that dies

هو فقط جسدك الذي يموت

ومثلما كان الحوار ناعما كان الانتقال بين المشاهد ناعما، فيما عدا النقلات بين:

- مشهد ممارسة الحب بين ليستات(ستيوارد تاونسيند) واكاشا(عاليا) ثم مشهد جيسي(مارجريت مورو) وعمتها ثم مشهدد الجثث عالبحيرة : حيث اختلفت درجات الالوان جزريا من الاحمر باضاءة اقرب للحمراء، للبني باضاءة اقرب للوردي ثم الازرق والاخضر باضاءة الشمس المشرقة جدا : والذي صنع تباين في الوحدة الشعورية عند المتلقي.

- اختلافات الاضاءة بشدة بين مشهد طيران ليستات وجيسي في الظلمة وبين الاضاة الساطعة ليلا في الحديقة وقت التهامه، اعطت انطباع خفي أن الحادثة اصطناعية بعض الشيء.

وكل ذلك مع الاخذ في الاعتبار امكانيات الجرافيك في عام 2002.


     فيلم ملكة الملاعين: غني على المستوى الانساني مفعم بالتفاؤل رغم الوحدة والوجع والظلامية التي تُشعر المتلقي بتجربة سينمائية عارمة، ومثلما بدأ ليستات وحيدا وانتهى متشابك الايدي مع حبيبته الابدية، يتوحد المشاهد مع وحدته ولاينتهي وحيدا وانما شاعرا بالتواصل الفني والانساني مع قصة مفعمة بالأحاسيس.

Author:

I am a whole universe 

0 comments: