الخميس، 10 سبتمبر، 2015

شقوق ، أسقف وحوائط


نستيقظ صباحا ، ونبقى قليلا أو كثيرا في السرير .. عيوننا على السقف وعقولنا بعيدة نتأمل رسومات الجير الساقطة وكيف حفرت دون أن نلاحظ شقوق وتضاريس في بياض السقف .
عندما نحدق في السقف ، ويكون محركنا شعور يأكلنا بالوحدة والفراغ ونشاهد وجه الحبيب مرسوم بوضوح ببروفيل جانبي لاينظر لنا ، نراه يتحدث ويتحرك ثم نتملى فيه أكثر ونتخيل وجودنا معه ، نرسم مشهدا لنا وسط ورود ملونة أو في قبلة مطولة على شاطيء البحر .
وعندما يعصف بنا الملل وتضربنا استاتيكية الحياة بجمودها وثباتها ، فجل مانشاهده على السقف هو شارع متحرك حيوي يضج بالناس والسرعة و أهداف الحياة .
والمشتعل برغبة جنسية سيرى جسدا عاريا أو أعضاءا موزعة على الحائط .
وربما تنقلنا الحياة لسكن وغربة في بلاد بعيدة بعيدا عن بلادنا وحي ميلادنا وكل مانراه يتحرك هو شارع الترام أو المترو أو فشار جوجو في محطة الرمل أو ربما تخلص عيوننا لتشكيل خريطة وطن نطمئن على وجوده كلما نظرنا للجير الواقع.
وحدة ، ملل ، احتياج للانتماء أو حتى رغبة : السقف هو مرآة نقصاننا وهو كراسة الرسم الجيرية التي نرسم خطوطها بأعيننا مترجمين مانزاه من دواخلنا لمشاه هناك .
ثم يُحدث الطلاء ، عَمرة وترميم للسقف ويعود كل شيء كالجديد ، المعجون وطلاء الجير الحديث قدد طمس كل الفجوات ولم يعد يظهر في السقف ثقوب ، ولكن هذا احساس موجع  وعجيب ، احساس بالغرابة والغربة وعدم الانتماء ، احساس بأنه ليس هنالك مايخصك هنا.
تضيء النور وتبدأ عيونك في تحسس بروز الاخاديد القديمة ، هنا وجه الحبيب وهنا مايبو كنهر البلاد وهنا ربما ها هو شارع البحر وكل شق تتلمس وجوده يقربك أكثر وللدهشة يقربك من ذاتك أكثر، تتأكد أن هويتك الحقيقية هي في نواقصك هي فيما لم تحرزه فيما خلقته في خيالك في ذكرياتك ونواقصك .. هذا هو منبع الخصوصية التي رسمت بها كل تفاصيل العوالم تلك على الحائط والجير القديم .

شق الحائط كشق الروح فندوبنا واحتياجاتنا ملجأنا منها نستحضر دواخلنا وحقيقتنا ، وعليها نطبع صورة الواقع ونستوعبه ونهضمه فيها ومنها نحقق تفردنا بالغوص فينا والتماس الصدق .

لذا مبارك لهؤلاء الذين يرسمون بالشقوق ومبارك كل من يجِل ويحترم الشق والشرخ والجير الساقط لانهم يحترمون تاريخ الأرواح التي تركت بصمات خيالها ، هنا .


Author:

I am a whole universe 

0 comments: