الجمعة، 13 مارس، 2015

عذابات غسان وغادة


* المظلل بالأحمر هي مقتطفات مباشرة من الكتاب : رسائل غسان كنفاني الى غادة السمان.



قصة عذابات الفارس غسان كنفاني وغادة السمان، مرض ولوعة حب وفقدانا للوطن..ولأن الحب عند الكاتب والأديب هو إيمان حقيقي يتسلل تحت الجلد ويحوط عالمه وإحساسه ، كان عذابه بطعم الحقيقة وحقيقة حبه الشديد لغادة السمان يملؤها العذاب والوجع : أما انت فلقد دخلت إلى عروقي وانتهى الأمر انه لمن الصعب أن أشفى منك.”

ابتعدا غادة وغسان وفصلت بينهما أميال القاهرة ولندن وبقى قلبه والبعد يشعلون شوقه وولهه أكثر وأكثر .. “ دخنت ٦علب وأمضيت النهار التالي أسعل وأدخن وأسعل وأدخن من جديد ،وأمس ليلا كان جسدي قد تعب من هذه اللعبة واستسلم أمام عنادي"
في غربته داخل ذاته قاسى غسان كنفاني الروائي والمناضل، بعدما التاع بالفقر ثم فقدان الوطن : فلسطين ، فأجهزت الكاتبة الرائعة والمرأة الأروع غادة السمان على ما تبقى من جلِده .
فبعد أن تلاقيا وتقاربا أشتعل الحب بينهما على مدار شهرٍ كاملٍ كان ركيزة العلاقة المستعرة : " لقد كان شهرا كالإعصار الذي لايفهم ، كالمطر ، كالنار ، كالأرض المحروثة التي أعبدها إلى حد الجنون وكنت فخورا بك.”
ثم عاد هو للقاهرة وهو الزوج والأب لطفلين وطالبته غادة بالغياب ، أن يبتعد ويعود لحياته وامتثل الرجل : أنا أَعرف منك أيضا بأنني احبك إلى حد استطيع أن أغيب فيه بالصورة التي تشائين إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة وانه سيغير شيئا من حقيقة الأشياء.”
وكان هذا البعد عذاب أيامه ، فقدت حياته الفرحة صار في انعزال عن العالم ، والنساء ولم يكن يربطه الحب بزوجته ولكنه لن يجرحها ويهدم بيتا فيه طفلين : " حين أغلقت الباب وتركتني أمضي عرفت ، عرفت كثيرا أية سعادة افتقد إذ لا أكون معك.”
وامتدت العزلة لأصدقاه ومعارفه من الأدباء والكتاب فبات لا يشتهي معية أحد غيرها وسط زحام المؤتمرات والحفلات : " وليلة أمس لم أنم فقد كان الصداع يتسلق الوسادة كجيوش مهزومة من النمل وعلى مائدة الفطور تساءلت هل صحيح انهم كلهم تافهون أم إن غيابك فقط هو الذي يجعلهم يبدون هكذا. ثم جئنا جميعا إلى هنا أسماء كبيرة وصغيرة ولكنني تركت مقعدي بينهم وجئت اكتب (الرسالة هذه لغادة) في ناحية .”
وتحول غيابها ورغبته في رؤيتها لأحلام يقظة مستمرة أشبه بالهلوسة : " إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك.وحين أرى منظرا وأسمع كلمة وأعلق عليها بيني وبين نفسي اسمع جوابك في أذني كأنك واقفة إلى جواري ويدك في يدي.”
"
وانظر إلى عيون الواقفين أمامي لأرى إن كانوا قد لمحوك معي.”
ولأنه رجل متسق مع ذاته ، كما يصف ذاته بأن عنده ذلك التوافق غير البشري بين عقله وقلبه ، فهو لأنه يحب امرأة فلا قدرة لديه على الالتحام بأخرى ولأنه فارسا في حبه فهو يعشقها في مسافة عن الجسد لا تنفيها لكنها لا تقربها بالكامل : " ليس من السهل بالنسبة لي أن ابني معها علاقة جنسية حتى لو أتيحت لي الفرصة لذلك .. (والباقي حذفته غادة من النشر) " "إنني احبها واشتهيها ، ليس لي علاقة جنسية مع أي مما كان ، هل تفهمين؟ مأساتي هي في ذلك التوافق غير البشري بين جسدي وعقلي."
وكان ملتزم بذلك الحب ، مخلص له فيصف نفسه لها:” أعوضت غسانك التعيس؟ هل وفقت في استبدال سذاجته وحدته وضيق افقه وسخافاته واستقامته الطفلة بشيء اكثر جدوى.؟ "
كل هذا العذاب كان سببه تعقيدات عدة : اكبرها ظروفه الاجتماعية وأعمقهما تركيبة شخصية غادة المعقدة .
هي التقته بوقت كانت فيه هاربة من السجن بسوريا فذهبت للندن وهناك " اشهر غسان صداقته" في وجه الشامتين فيها ، كانت وحيدة بلا رجل وبلا ثروة وكان هو الغاضب الثائر الهارب من وجعه في زواج بلا حب فرقصت بوجودها الحياة في قلبه .
كانت غادة -وبنبل- ترى ضرورة المحافظة على بيته ، فدفعته بعيدا عنها وبقوة كما إنها كانت تخافه بشدة لأنها أحبته جدا فدفعته اكثر عنها : " ولكني اذكر جيدا إنني كنت دائما حريصة على كيانه العائلي بقدر حرصي على استقلالية كياني"
فأذاقته عاما مرا من اللوعة في الحب ، حيث كانت تقابل فيه رجال آخرين و تكشف له علاقاتها وجموحها بجرأة شديدة حتى تبعده عنها أو ربما ليأخذها هو على محمل مختلف : " يقولون هذه الأيام في بيروت أن علاقتنا هي علاقة من طرف واحد يشفقون علي أمامي ويسخرون مني ورائي ويقرئون لي كما يقرئون نماذج للشاعر المجنون . لكن ذلك كله يظل تحت ما أشعره حقا . فأنا احبك بهذه البساطة والمواصلة التي لايمكن فهمها في شارع الحمرا أو على شفاه التافهين.”   “ انظري ما الذي ضيعناه؟ انظريعام كامل من المشي على الزجاج المطحون ،لماذا ؟ من المسؤول ؟ كيف تريدين أن اتصرف؟ هاك دواء يصلح للتحنيط ، ضعيه في عروقي واجعلي مني شطرين اسند رف كتب تافه في غرفة لك لا اعرف من فيها.”
وكانت تتواصل مراسلةً مع كل أصدقائهما المشتركين ولا ترسل له : " عزيزتي غادة يلعن دينك.. ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي ! اليوم في الطائرة قال لي سليم الوزي انك كتبت له ولأمية اللوزي لم أعد أذكر ، وأمس قال لي كمال انه تلقى رسالة منك.. وآخرين فما الذي حدث ؟ لا تريدين الكتابة لي ؟ معلش! ولكن انتبهي جيدا لما تصنعين.ذلك سيزيدني تعلقا بك.”
وتجيد غادة لسعه بالغيرة و تغضب شرقيته بجموحها فتظهر له سهرتها مع آخر حتى تدفعه للذهاب لبيته وأسرته : " أحيانا تأخذينني على محمل أقل ذكاءا مما ينبغي، من الذي رأيتيه أيتها الغالية في الثامنة والنصف من آخر ليلة كنت فيها في بيروت؟ انه شيء تافه وصغير لكن يبدو إنني أحيانا أتوقف لاقتلع من راحة يدي شوكة في حجم نصف دبوس الاتفهمين إن هذا الذي ينبض في قميصي هو رجل شرقي خارج من علبة الظلام ؟ حتما تعرفين.. انت هائلة في اكتشاف مقتلي لذلك تتهربين مني أحيانا ، لذلك لا تقولين ولذلك بالذات تقولين.”
ولكنه يغضب ، ويعاتب ويثور عليها أحيانا ولا يتخلى عن حبها :كنتِ تلك الليلة مريعة . آخر ليلةكنتِ مثلما أردتك دائما معي وحدي ، ولكنك لم تكوني معي وكان هو وكنت سعيدة إلى حد زلزلني صوتك الضاحك و فتح في رئتي جرحا ما زلت أحس نزيفه يبلل قميصي : لقد عملت في المكتب مثل كلب لاهث. الغيت لأول مرة في حياتي دعوة كنت وجهتها لصديق مسافر في اليوم التالي ، وركضت اليكِ : لا إن ذلك لا يحتمل.”

وفي خطاب عنها لأخته يئن من شكه
:وأمس ليلا ماذا حدث ، وماذا يمكن أن يكون قد حدث غير أنها كانت فخورة بانها قادرة على الخروج مع شاب آخر ، أو مع نفسها وأنا انتظر.”
وغادة تحاول أن تتملص من الالتزام في العلاقة وتتحجج بأن جمال ارتباطهما إنها لم تكن ملزمة : " تريدين أن تقولي لي إن روعة علاقتنا في أنها لم تكن ، إنني لست اصدق ولست أريد أن اصدق.”
ربما ترى الارتماء في أحضان رجال أُخر دواءا لفقده وأن حجة زواجه مبررا كافيا لتهرب من حبه وهو يراه جبن وأهانه له : " أقول لك باختصار أنها جبانة تريد أن تكون نصف الأشياء لا تريدني ولا تريد غيابي وفي اللحظة التي وصلت فيها أنا إلى انتساب كامل لها كنت ابحث عنه طيلة حياتي تقف هي في منتصف الميدان.”

"
إنني لا أقيس جسدي بصيغ التهرب والخذلان وأقول لك اليوم غدا والى الأبد انك أهنت في ما اعتز به اكثر مما كتبت واكتب وسأكتب.”
انتقد علاقاتها واصطناعها للعقلانية و محاولاتها الدائمة لصلابة المشاعر : " كنت تحسبين نبضي ونبضك على جدول اللوغاريتمات ، كنت تختارين مني أسوأ مافي وتمزجينه مع ما اخترت من أسوأ تجاربك ، وكانت الحصيلة قزما توقعت منه أن يدخل فرحا لغرفة انت فيها بملابس النوم مع رجل آخر . وكان عليك أن تتوقعي ماحدث ، لم اصدق قط انك ضد أخذ العلاقة إلى مداها.ما الذي كان يرغمك على بناء جدار الجليد ؟ رجل آخر ؟ مزيدا من الذل؟ أمورا اكثر تعقيدا؟ "
توجع غسان لعام تقتله اللوعة والجفاء وذل القلب، ورغم ذلك ينكر عليها هروبها من الحب : " أنا لا استطيع أن أفهم كيف ترفض المرأة رجلا تحبه ، إن علاقتهما إلى أبعد مدى تضحى حاجة.”
ويؤكد لها غسان دائما أنها لا يجب أن تهرب من حبهما ، لأنه مولود الصدق ويدعوها لتقف معه في مواجهة العالم رغم انه في خطاب لأخته أعطاه لغادة نفسها يؤكد لها صعوبة وضعهما وعدم حسمه : “ انت تعرفين أنني أتعذب وأنني لا أعرف ماذا أريد تعرفين أنني أغار واحترق.ويرك إنها ترى أفضل منه سوء وضعهما وضعف الأمل في علاقتهما :هي ذكية وحساسة وتفهمني وهذا يشدني إليها بقدر ما يبعدها عني ، فهي تعي اكثر مني ربما طبيعة الرمال المتحركة التي غرقنا فيها دون وعي منا.. “
يتأرجح الكاتب/الفارس بين التصميم والخيال ففي الوقت الذي يعترف بعدم قدرته على إيجاد حل لمعضلتهما يحثها على التمسك بجمرة الحب تلك : " ولكن ما العمل؟ أنني أعرف أن العالم ضدنا معا ولكنني أعرف انه ضدنا بصورة متساوية ، فلماذا لانقف معا في وجهه. كفي عن تعذيبي فلا أنا ولا انت نستحق أن نسحق على هذه الصورة. أما أنا فقد أذلني الهروب بما فيه الكفاية ولست أريد ولا أقبل الهروب بعد. سأظل ولو وضع أطلس الكون على كتفي ورائك ومعك. ولن يستطيع شيء في العالم أن يجعلني أفقدك فقد فُقدت قبلك وسأفقد بعدك كل شيء.”

"
أتعاون معك على مواجهة كل شيء وأضع معك نصل الصدق الجارح على رقابهم. إنني احبك أيتها الشقية كما لم أعرف الحب في حياتي و لست اذكر في حياتي سعادة توازي تلك.”
يصر غسان على المضي قدما في الحب المؤلم تأكله الغيرة ويوجعه الشك وتهينه علاقاتها لكنه يبقى للنهاية محبا مخلصا :
"إنني احبك كما لم افعل في حياتي .اجروء على القول كما لم يفعل أي إنسان ، وسأظل.”
وينتهيان غسان وغادة خطان متوازيان لا يلتقيان ..
هل كانت حالة غسان الاجتماعية السبب؟ هل جبن غادة وخوفها ؟ هل قلة فعل غسان ؟ هل كانت غادة فعلا تحبه بعمق أم إنها مصابة بعقدة الكترا بحسب تعبير يونج حيث ترك أباها أمها لامرأة شابة ؟ هل غسان الشرقي الغيور ذو الدم الحار كان يتحمل الاقتران بها وهي المنفتحة المتحررة الطليقة كما يصفها؟ لا احد يعلم فسر قصة الحب اختفى : فغادة تزوجت وكونت أسرة ، غسان اغتيل بتفجير سيارته وخطاباته لغادة بعضها احترق في حريق منزلها ببيروت و خطابات غادة له اختفت ، لا يعرف أحد أين هي هل بحوزة زوجته ، أطفاله ، صديق ، فلا أثر لحبر حبه وبغموض النهاية بقيت قصتهما أسطورة أدبية لا يُعرف لها نهاية .. .

Author:

I am a whole universe 

0 comments: