الأربعاء، 24 سبتمبر، 2014

ضوضاء انفجار الهند


كيف انفجر المجتمع ؟ سؤال يطرحه الكثيرون إثر حوادث ملفتة للرأي العام العالمي : كالعنف الطائفي ، اغتصاب جماعي أو نهب مسلح دموي في احدى دول العالم الثالث المكتظة بالسكان كالهند ؛ فيظهر هذا العنف المستمر كروتين يومي.
ويطرح الفيلم البوليودي الشهير "ضوضاء في المدينة أو هكذا يُترجم Shor in the city " – 2011 ، مقطع عرضي للمجتمع الهندي المعاصر في مومباي ؛ بواقعية شديدة وبلا رتوش أو تجميل : يسرد قصص لثلاث نماذج متباينة : ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا في هذا المجتمع جميعهم تضطره الظروف المتأزمة للجريمة.
فآبهاي / سيندهيل رامامورثي Sendhil Ramamurthy  ، شاب ثري نسبيا ، عائد من أمريكا لإقامة مشروع صغير ، لايعلم عن تغير الأوضاع الحالي في البلد . يبدأ تصادمه مع الواقع بأحد العمال الخدميين يلح لمساعدته ويلح لأخذ بقشيش في تنويه عن مشكلة العمالة الخدمية التي في حقيقتها بطالة مقنعة ويتبين لاحقا انه أحد البلطجية في عصابة المنطقة لفرض الإتاوات.
عصبة الثلاث شباب (ماندوك /بيتوباش ، راميش/ نيكيل دوافيداي ، تيلاك / تاشار كابور ) وهم عصابة فقيرة وغير مؤذية كل منهم يمثل نموذج شائع في هذا المجتمع :
فراميش : شاب سلبي سهل الانقياد ، ماندوك : شاب سطحي مهووس بالفتيات واجسامهم وتصويرهم
وتيلاك : صاحب مطبعة غير مصرحة تعيد طباعة الكتب خلافا لحقوق الملكية الفكرية وبنصف ثمنها لتوزيعهم في إشارات المرور . يقومون بأعمال سطو غير خطيرة كالسطو على كتاب لمؤلف كبير أو نشل شنطة بدون اكراه يتبين ان فيها اسلحة.
وسوان / صانديب كيشان شاب محدود الدخل ، يريد أن يصبح لاعب كريكيت – لعبة من الكرة والمضرب –ويطالبه مدير النادي برشوة 1,000,000 روبية لإلحاقه بالفريق .
تتصاعد احداث الفيلم لتتأزم الأمور فبعد النظرة الأولى على بدايات تقليدية للشخصيات تتكشف تحت السطح حقائق أخرى ويكتشف المشاهد أزمة الأبطال الذين باتوا مضطرين للانصياع للفساد ؛ ويكتشف معهم الحل الذي توصلوا له . فساوان رسم خطة سطو على البنك المجاور وعرضها على مقاول حشد سياسي ليتمكن من دفع الرشوة ، آبهاي الثري يشتري سلاح "محلي" من ماندوك أحد الثلاث شباب ، وعصبة ال3 شباب يقرروا تنفيذ خطة ساوان : لاعب الكراكيت في السطو على البنك .ينتهي انفجار الوضع بانتهاء المشاكل والراحة في نهاية سعيدة تغلفها احتفالات الإله جانيش .
ويظهر هدفا أساسيا للفيلم : وهو تشريح المجتمع لكن هذا الهدف قد يكون مشتتا بعض الشيء ومضرا لتشابك وتواتر الأحداث فيبدو الفيلم كثلاث أفلام منفصلة ومتوازية لاتتداخل إلا في ال15 دقيقة الأخيرة من مدة 2:15ق طول الفيلم.
يبرز الفيلم تناقضات المجتمع في أكثر قيمه سمو فتظهر السلوكيات مدعية أو خالية من مضمونها.
تناقض المجتمع بخصوص الوطنية : يظهر في مشهد قصير مقاول الحشد السياسي " ..." الذي يتعامل مع المعارضة كباب رزق للتكسب ، يخطب في قريبه "ساواي" لاعب الكريكيت محفزا اياه على الرياضة " نعم ، العب من أجل وطننا الهند " ، فيعرض مفارقة الوطنية فيمن يبدو كشخص يتكسب من وطنيته.
تناقضه بخصوص الاحتشام والمحافظة : يظهر مشهد عابر لفتاة محجبة تغطي وجهها ويظهر اسفل ظهرها من بنطلون شديد الضيق ، فيما يشبه العفة الظاهرية . ويعرض الفيلم نموذج فتاة تضاجع الشباب على الانترنت وترفض أن تتحدث معهم في الواقع مشددة على مظهر الالتزام . مما يصور قضية المحافظة في المجتمع كمحل إدعاء.
تناقض بخصوص الحب والزواج : فبيما المجتمع يضيق الخناق على التعارف قبل الزواج وتبدو طقوس الخطبة تقليدية للغاية وتتبع طريقة الصالونات ؛ يظهر كورنيش مومباي مكتظ بالأحبة الذين يتبادلون القبل المحمومة ، يفصلهم امتار قليلة عن بعضهم في وضع خالي من الخصوصية.
تناقضات تسيء للمجتمع تترد جملة " انهم كلاب / هو كلب بلا قيمة " حوالي ال4 مرات في الفيلم على لسان شخصيات مختلفة في العمل ؛ فيما يظهر كيف يرى أطياف المجتمع بعضهم البعض . فبينما قالها الشرطي المرتشي عن البلطجية ، قالها البلطجية على عامل الشركة بعدما قتلوه وعلى ماندوك أحد الشباب الثلاث وبنهاية الفيلم قالها "آبهاي" الثري على البلطجية وهو يتعامل معهم . فكل فئة ترى الأخرى كلاب لاتستحق تعامل جيد ومن ثم ترى من الشرعي أن تسيء لها أو حتى تقتلها .كل تلك التناقضات كانت بمثابة البارود القابل للاشتعال مثل مشاهد نهاية الفيلم ، على اثرها انفجر الوضع في البلد.
وعن اختيار الملابس جاء موفقا فكل شخصية تظهر بما يلائمها ، ويظهر بشكل مميز تي شيرت لماندوك يبرز بلغة الصورة غياب الاتساق في الوضع . فبينما هو يرتدي تي شيرت عليه مسدس مزين بعلامة ممنوع حمراء بما يوحي بالسلمية أو غياب السلاح، يذهب هو واقرانه لتفجير قنبلة . وبينما يقوم بتهديد رجل بسلاح  تلتقط كاميرا المخرج صورته في المرآة مرتديا تي شيرت عليه كلمة حب بالمقلوب . 
التمثيل: كان بشكل عام جيد وغاب عنه الدرامية الشديدة والمعتادة في الأفلام الهندية وبالأخص آداء آبهاي والبلطجي وغيرهم ، كما ظهر خط آداء هزلي اخذ يتصاعد في ذروة المشاهد الخطرة أو المأساوية للتخفيف من مرارة او ايلام الصورة على المشاهد . كثناء الكاتب المختطف على عملية خطفه مجاملا اياهم ببراعة الاختطاف أو تخبط الشباب وهم يحاولون تفجير الفنبلة .
جاء آداء البطولات النسائية ملائما للحكاية بأغلب الوقت ف"شاميلي / بريتي ديساي" الموديل المتحررة تتعامل مع جسدها كسلعة ، فكلما قابلت آبهاي تطلب منه شيئا رغم ان آدائها في مرافقته لايظهر فيه أي مشاعر وتبادله التقبيل باستغراب وبرود.
واجادت زوجة تيلاك في الآداء فتظهر اللهفة له في حركة الشفاة ونظرة الأعين المشتاقة موصلة للمشاهد المسكوت عنه في علاقتهم الحميمية .
الإله جانيش ، يظهر كمخلص لأبطال العمل في مشهد النهاية فهو اله النجاح وازالة العراقيل ينهي الفيلم بنهاية سعيدة للجميع ، ويظهر تعبده بالصندلية الحمراء ورمزيتها في تنقية الفضاء والسلام كرد على عنوان الفيلم : كهدوء مقابل ضوضاء المدينة ، أو هو الهدوء الذي تلى الانفجار .

Author:

I am a whole universe 

0 comments: