الأربعاء، 27 أغسطس، 2014

سلفيون كأخناتون

ولما كان هذا القرص حاكما مطلقا للكون ، فلقد استحق التوقير الذي يجدر بالملوك فكل الذين يكونون في معية الملك يروحون ويغدون في وضع الركوع ، أو يقبلون الأرض عند قدميه من ترنيمة آتون 



akhnaton_n_nefertiti"ولما كان هذا القرص حاكما مطلقا للكون ، فلقد استحق التوقير الذي يجدر بالملوك فكل الذين يكونون في معية الملك يروحون ويغدون في وضع الركوع ، أو يقبلون الأرض عند قدميه من ترنيمة آتون "(1)
الآتونية أو ديانة قرص الشمس التي ترى انه لا إله غير آتون : قرص الشمس وواهب الحياة فهي الديانة الجديدة التي أسسها أخناتون أو امنحوتب الرابع الملك المصري القديم ، وعلى إثرها تغيرت العاصمة لأخيتاتون أو مدينة الشمس عطل أخناتون لذلك معابد الآلهة الأخرى و فرض بكل ما استطاع من قوة الآتونية على شعبه.
هناك ثلاث مدارس بخصوص طبيعة الديانة الآتونية (2)
فمدرسة ترى إنها ديانة توحيدية ولدت بنزعة مبكرة عند أخناتون ، لأنها وحدت ألآلهة في اله واحد وهو آتون ؛ كما ورد في الترنيمة الكبرى أنت الإله الواحد الذي وجد منذ الأزل ، انت آلة الحياة وواهب الحياة ولا حياة إلا بك “ (3).
وفي مدرسة أخرى إنها ديانة متعددة الآلهة ، فقد تواجدت معها آلهة أخرى وإن كانت ثانوية.
وترى المدرسة الثالثة أن الآتونية هي إلحاد مبكر إذ أن أخناتون كان يرى في قرص الشمس مسبب للحياة وليس صانع أكوان ، فهنا كانت الديانة قائمة على السببية ليس بها أي اله معجز.
يوضح الكاتب دونالد فورد في كتابة أخناتون هذا الفرعون المارق كيفي قام أخناتون بوضع يده على الدولة ومحاربة نفوذ كهنة آمون ولأن مصر وقتها كانت دولة مترامية الأطراف ، احتاج حاكمها حينئذ لتبرير توسعاته وتوسيع امبراطوريته بدين ورواية تقول أنه ابن الإله الشمس المدلل الذي أعطي ملك الأرض ولأنه الملك فكان منطقي أن يحيد العبادات لآتون دون غيره من الآلهة للاستيلاء على كنوز المعابد كلها ، فهذا هو الضامن القوي لإخضاع ثروات المعابد وعطايا الشعب لها كالمواشي والأراضي الزراعية الشاسعة وغيرها لقبضته ، بمنأى عن كهنة آمون.
أما الأخناتونيون الجدد ، أو السلفيون أو المتطرفون الجدد مثل أخناتون وجماعته يفرضون ديانتهم بالقوة والإجبار ربما هذا نعت يخص متطرفي الإسلام في هذه الأيام لكن بعض الباحثين كأحمد عثمان يرى أن أخناتون وموسى هما نفس الشخص ؛ و فرويد يرى أن الديانة الموسوية ما هي إلا آتونية أخرى وبالأخذ في الاعتبار أن الإسلام قد ورث أغلب تعاليم اليهودية ، نكون هنا أمام أخناتونيون جدد .فرويد قد أفرد نظرية في كتابه موسى والتوحيد مفادها أن موسى كان مصريا من مدرسة الآتونية أو كهنتها وأن تأسيسه لديانته ماهو إلا إعادة تدوير للآتونية بعد أن اكسبها أسماءا وتفاصيل أخرى ؛ وقد استند في كتابة على التحليل السيكلوجي وبعض الحجج منها أن ديانة شمولية كديانة أخناتون ترى أن آتون هو اله الأرض جميعا ، لا يمكن أن تنبثق عن أقلية عرقية بمصر كالعبرانيين لما يتطلبه ذلك من إمبراطورية ضخمة ومؤسسات دولة قوية تفرض سيطرة هذا الإله الموحد على الأرض وتجسد تموذج نظامه الكوني في آخر أرضي لإقناع الأتباع .ويرى الكثيرين من الباحثين وعلماء الأديان تشابه حد التطابق في تعاليم اليهودية والإسلام ربما لوحدة المصدر كأديان إبراهيمية - :في أفكار جوهرية كالتوحيد مثلا 
في رؤى عامة كموقع المرأة وتعدد الزوجات 
وفي عبادات مثل شكل الصلاة الذي لا يفرق غير في شكل امتداد اليد وكما الصوم وتطبيق الحدود بالجَلد .
لذا ، يبدو متطرفو اليوم كأنما يجترون سلفية الأخناتونيون وممارساتهم لفرض شكل عبادة خاص بهمفمثلما دمر تطرف داعش والقاعدة تماثيل لبوذا وأضرحة في العراق بحجة الكفر فقد فعل أخناتون المثل وحرم الصور الأخرى للإله الشمس وأي تجسيد يشبه آتون بالإنسان واختفت رموز الآلهة الأخرى من الهيروغليفية حتى الكتابة نفسها مالت للتجسيد الصوتي وليس تجسيد شكلي في عهده . (4)
ومثلما يغير مجاهدي داعش والقاعدة أسمائهم لأسماء قريبة من أسماء الصحابة أو الأسماء الموصى بها في الإسلام (ما حُمد أو عُبد، قد حدث ذلك بعد غلبة الإسلام في مكة فتغيرت أسماء المسلمين مثل عبد اللات لعبد الله مثلا ، كان أخناتون من ابتدع ذلك منذ 2000 عام حيث أجبر الذين يحملون أسماء مركبة بها اسم آمون على تغيرها وهو نفسه غير اسمه من امين-حوتب الى اخ-إن-أتون أي سادن-آتون.
وغيره من المشابهات فيما يبدو إنها ليست سلفية إسلامية ولكن بردها لجذورها تظهر كسلفية أخناتونية استلهمت ما فعله الملك أخناتون لفرض تصوره بأن نسخته لفرض تصورهم الخاص عن الإسلام .
في زمان أخناتون حدث وأن تآمر عليه كهنة آمون وأطاحوا به بشكل أو بآخر .أما أخناتونيونا الجدد ماذا علينا أن نفعل حيالهم هل يستطيع الأزهر مثلا كمؤسسة دينية رسمية التآمر من أجل الصالح العام للتخلص من التطرف الإسلامي .هل هو إجراء سيادي من الدولة والذي اثبتت التجربة انه معالجة خائبة للنتائج وليس الأسباب مما فشل في نزع جذور التطرف المتشبثة بأرض مصر .أم هو علاج شعبي ومجتمعي.
القدماء رفضوا تطرف أخناتون شعبيا ووقتما سقط عادوا لتسامحهم الديني وتعدداتهم .. فهل يفعل المحدثون المثل أم أن خيار التسامح يخص رقي شعب قديم قد ولى اختياره من زمن .
هبه يونس النيل
27 أغسطس 2014
(1) ص189 دونالدريد فورد تبيومي القنديل – أخناتون ذلك الفرعون المارق ، دار الوفاء – الإسكندرية 2000(2) بكري عبد الحميد – أخناتون فرعون التوحيد ، دار الهلال - 2007(3) An Analysis of the Pharaoh Akhenaten's Religious and Philosophical Revolution - Laura Taronas Tufts University, 2012.
(4) فورد ، مصدر سابق

Author:

I am a whole universe 

0 comments: