الخميس، 27 مارس، 2014

الفِرِِيم الخفي *


"أنت عسل" ... ربما لأن العسل مائع.

    لم تكن كباقي الاطفال، لم تعترض يوما - تكسر الأشياء - أو تثور وتصرخ حتى وإن سلبوها العابها ووزعوها على إخوتها ومنحوها الهدايا المنبوذة. لم يكن رد فعلها يُلمح أو يُلحظ من أحد. في 3 ثانوي ذهبت في رحلة بحرية لجزيرة ما .. تبعا للمدرسة؛ شاطئ الجزيرة ينحدر فجأة .. فأمامها غطست "بسنت" الممتلئة المتعطرة بالفل المستورد، ولم تفلح في زحزحتها ولو لثوانٍ بجسدها الضعيف. انقذوا "بسنت" واحتفلوا بنجاتها في حفلة سمر، وهي التي كادت ان تسقط معها لم يهنئوها حتى ؛ وربما لم يكونوا ليدركوا وجودها من غيابها لو غرقت.
    وحده كان من لاحظها وسط شلة الجامعة .. كان نجماً وهي كوكبا معتما يحتاجه النجم لتصريف ضوءه .. فتخللها وشعَت به. أخبرته عن أعنية "Nina Simone “ أنا العق التراب الذي تسير عليه، وسرعان ما أدرك ان هذا لم يكن كافيا بالمرة. بل لم يكن يلامس احتياجه حتى. أخبرها أن سوائلها شفافة للغاية على جسده وأنهما له غير مرئيتين. انكمش نورها حتى اختفى .. وصارت يجب أن تداري عتمتها في شيء ما، فانزوت في نقاب كامل حتى أطراف قدميها. ورغم هذا الغياب، لم ينتف عقلها، في العمل يسمونها العقل المدبر – ربما لأن العقل كيانا معنويا وليس ماديًا – هي مديرة في عملها ونادرة التغيب عن مكتبها إلا في أوقات الراحة المخصصة.
بمنتصف النهار بعد انتهاء الوردية الأولى، تذهب لاي مطعم جديد بالبلدة لم تزره من قبل أو لم تزره منذ وقت قريب .. ورغم نحولها، تأكل كثيرا جدا، وتمنح النادل بقشيشا سخيا مقدمة له "كارتها" ذو الجليتر والمغرق في عطر الفل المستورد.
    تعود في الميعاد للشركة، ويكون الطاقم قد تبدل، تسلم على مرؤسيها واحدا واحدا كاشفة النقاب عن شفتين مزينتين بالروج الثقيل اللامع واليدين الغارقتين حتى الساعد في عطر الفل. تسلم وتقبل وتصافح، ثم تحصي كم خطاً احمر قد رسمت اليوم على اصداغ زميلاتها وكم زميلا سيحظى بمشاجرة زوجية اثر لمساتها العطرية المتخمة. بعد العمل تسرع لمقهى مغاير، تترك على مقاعده فراءها المنتشي يعلق في المسامير والنتوءات تاركا خيوطها في كل كرسي.
وفي دورة المياه تدخل المرحاض للإخراج الذي امتنعت عنه طوال اليوم، وإن لم تستطع فتتقيأ فورا. يسقط جوفها في المرحاض، ويغوص في البالوعة حاملا خلاياها. يوما أدركت أن مجارير البلدة هي المكان الوحيد الذي تتحد فيه خلايا سكانها وتمتزج وتتلاصق .. هكذا هي، باخراجها، تكون قد تواصلت مع كل رواد المقهى رغما عنهم، وربما كل سكان الحي دون أن يدروا.
    ليلا تذهب لشقته .. فلم يكن يتذكر أنها لم تعيد له المفتاح، تجده نائما كما رتبت، فهي تعلم توقيتاته وعاداته مع ساقطات البلدة التي تنهكه حتى هذه الساعة. على صدره، تكتب اسمها بشفتيها وروجها الأحمر اللامع وتترك الكثير من خصلاتها الشقراء الباهتة منثورة على جسده، وترحل.
في الصباح يغتسل هو لامحا خطوات روجها، ولايلتفت لتبين آثار اي فتاة منهن قد تركت عبثها على جلده. ينمحي الروج لكنه يترك بعض الحمرة في المرحاض، والكثير من الشعر الملتف على نفسه على الأرضية. يفشل اندفاع مياه الصنبور في سحبها لمجارير البلدة  مصبها الطبيعي المتشابك.

21 يوليو

2011

*  invisible frame : الطبقة الخفية أو الطبقة الغير مرئية وهي بالاساس تستخدم في تطبيقات الجرافيك مثل الفوتوشوب وخلافه .

Author:

I am a whole universe 

0 comments: