السبت، 2 يونيو، 2012

لماذا لم يتطرف النوبيون ؟


خلطة التطرف : فقر + اضطهاد + دين ابراهيمي = تطرف وارهاب
تعجبت كثيرا لماذا لم تصنع هذه الخلطة من النوبيين فصيل ارهابي بطول صعيد مصر ؟؟

البعض قال لانهم طيبين مسالمين والبعض قال لانهم قلة (رغم كون القلة هذه 6 مليون )لكن العامل الوحيد الذي حيرني ووجدته اخيرا السبب الرئيسي هو الثقافة ..
وهو العامل الوحيد الذي استطاع قلب المعادلة وهدمها تماما..

الميراث الثقافي للنوبيين منذ القدم ولما قبل الحضارة الفرعونية بحسب الكشوف الاثرية في توشكى 12000عاما عمر النوبة وحضارتها.
هذا الميراث الثقافي هو ماجعل للنوبيين اولوية حضارية في الحفاظ على العرق والتبادل التجاري التنموي مع مصر ..
لم يحاول النوبيون غزو اي بلد مجاور وماحدث من حكم النوبيين لمصر كان مرتين فقط احدهما عندما وقعت مصر بالاصل تحت احتلال الهسكوس فقام النوبيين بحكم جنوب مصر كله ويسمى البعض ذلك انه الاحتلال المنقذ الذي حافظ على مصر من الهكسوس .. فلو كانت كل مصر احتلت فربما كانت الخريطة الجينية لمصر تبدلت واختلفت تماما الآن.
ورغم كون المصريين كانوا دائمي التعدي على اراض النوبة باغلب اوقات التاريخ القديم فيتقهقر النوبيين او يتقدمون لكن باغلب الاحوال لم يحكم النوبيين غير ملك نوبي وكان الفرعون يفرض حاكم تابع له للهيمنة على الاقليم.
ومقابل تلك الحرية كان النوبيون يرسلوا للفرعون الذهب ويبتاعوا له العبيد من الجنوب يقدموهم كدية او جزية .
حتى رأى اخناتون من محاربين النوبة (لما يمتازوا به من قوة بدنية وبأس) الكثير من المواهب القتالية والاخلاص والامانة .. وكذلك كانت معاملاته مع ملوك النوبيون تتسم بالوفاء والعهد فاعطى للنوبيين مناصب متقدمة وعديدة في الجيش المصري مما اهله للتوسع الاكبر ومد نفوذ الدولة المصرية شرقا وجنوبا حتى قرب منابع النيل .

طوال الوقت كان النوبيون مسالمون حتى وقت الاحتلالات المتتابعة التي تعرضت لها مصر بتلاحق ولم يتزحزحوا عن دياناتهم الوثنية القديمة ابدا حتى وصلتها المسيحية وتحولوا جميها لها باقتناع كبير (ربما لان طقوسها الكنسية لاتختلف كثيرا عن طقوس الالهة القديمة في المعابد )
ووقت الدعوة الاسلامية حاول مبعوثي النبي صلعم الوصول للحبشة عن طريق النوبة فتصدى لهم رماة الاحداق بحسب التعبير الاسلامي اي رماة الرماح النوبيين الذين كانوا يلقون الصحابة فيفقعون اعينهم في الاحداق.

كل هذا الميراث من اختبار القتال والحرب والسلم الاختياري والتمرد والقسوة والطيبة والاخلاص والعهد وووهو ماصنع هذه الحكمة والتحضر في المعاملات .
هو ماجعل القرى النوبية مسالمة آمنة شبه خالية من الجرائم ، بعيدة عن عادات الثأر والاقتتال كالصعايدة في الجوار تحل مشاكلها بحكمة وهدوء لاتتداول دروبها الاسلحة النارية او البيضاء.
قرى تحل مشاكلها بالرقص وتغتسل من المشاحنات في الاعراس فيغني الجميع ويرقص الجميع ويبعدون هذه الطاقة السلبية عنهم لكي يستمر نسيجهم معا.
المناطق الوحيدة التي لم يتهجم بلطجيتها عليها لخلوها من الخارجين عن القانون ، القرى الأئمن وقت الثورة والانفلات الامني ..
المناطق الاندر في الجرائم والسرقات شبه معدومة .
اجتماعيا الاقل طلاقا ، الاقل دعاوى قضائية ، جرائم الزنا شبه معدومة رغم الاختلاط الشديد والحرية التامة .
يعتبرونها البعض يوتوبيا منسية .. ولامبالغة هنالك في ذلك

هذا كله هو ما صان النوبيين من التحول لقنابل ارهاب وتطرف مع التفقير المتعمد بعد التهجير بعد عصر كانت العروس تأخذ مهرا بوزنها ذهبا و هدية عرسها نخل لارض من اخصب الاراضي .
هُجر الناس عن ارضهم الخصبة وزروعهم ونخلهم وماشيتهم وسكنوا ارضا صحراوية تبعد عن النهر عشرات الكيلومترات بالسيارة بعدما كان النهر على عتبات البيوت وجزئا من الاغتسال للهموم وجزئا من طقوس السبوع والغناء .
ابعدوهم عن ارضهم وبعصور قديمة اغرق الخديوي الاراضي النوبية بدون تنبيه السكان للتطهير العرقي ، بعد التهجير فقروهم عمدا واجبروهم على العمل بالوظائف الدنيا حتى استعادوا توازنهم بسرعة واتقنوا لعبة المدينة ، اضطهدوهم بكل وظائف العرض امثال مكاتب الاستقبال بالفنادق ، خدمة العملاء باي شركة ، التليفزيون ، التمثيل ، الغناء (الاضطهاد الشديد الذي تعرض له صوت مصر محمد منير عند ظهوره ) ، الاضطهاد العنصري من المجتمع المصري الاساءات اللونية في الشوارع السباب اللوني حتى في الافلام والمسرحيات وغيره واشهر مثال الشتائم العنصرية لللاعب الاسواني شيكابالا ونعته باوصاف دنيا تخص لونه و عرقه .
عامل وحيدا فقط من هؤلاء كان كافيا ليتحول شعور النوبيين وبخاصة في ذلك الازدهار للتشدد الديني وسفر اغلبهم للخليج عامل وحيد كان كفيل بتحويلهم لحضن التطرف والخلايا الارهابية تذبح المصريين انتقاما وحقدا باسم الدين
لكن انغلاق النوبيين الثقافي الضروري والازم والانساني منهم حينها ، قيامهم بالاغتسال بهويتهم واصولهم ولغتهم كان حرزهم من تلوث القلب والعوامل السابقة كلها لم تزحزح عن قلوبهم التحضر والتمدن والطيبة والغفران .

نعم غفران واكبر دليل على هذا الغفران كم النوبيين الذي صوت للناصري حمدين صباحي في انتخابات الرئاسة ، النوبيون وبخاصة لان رأس الدولة الحالي نوبي ..اختاروا التعايش والتوحد والذوبان بدون فقدان للهوية في ذلك النسيج المصري الوطني .
النوبيون خلقوا بموقفهم تعايشا لم يبدعه شعبا من قبل ، ولاعجب ان يصدر من اصحاب هذه الحضارة العريقة كل ذلك ..

يا شركاء العرق والدم .. اتشرف بكم وبالانتماء لكم
انتم اصل الاصالة والحضارة والكبرياء.

السلام الوطني بالنوبي

Hapy
هبه يونس النيل

Author:

I am a whole universe 

0 comments: