الجمعة، 17 يونيو، 2011

قصة جيولوجيا


" تكون الفحم من نباتات ماتت ودفنت في المستنقعات .. فكونت طبقة سميكة منها فوق قاع المستنقع … "

هكذا تذكرت كلام معلمة الجيولوجيا وابي يقلّب الفحم في الشيشة ثم يأخذ نفس طويل .. كم يكون منتفخا من الفخر عندما يدخن
خرجت ابتاع له فحم واخذت " الكزلك " من خلف الباب ، فالصرف طافح حول بيوت العزبة كلها والنباتات العشبية ومياه المجاري بكل مكان .. وخاصة حول الدكان .

كانت الشحاتة جالسة قرب العتبة ولم اعرف كيف وجدت مكان جاف .. اعطيتها ما فيه النصيب كعادتي كلما عدت حاملة للفحم لكي لا اكون كحمالة الحطب من حطب النار فغزل البنات بنصف جنيه وكان ليحترق في جهنم لو لم اتصدق بمامعي.

اليوم ، تزغرد امي بكل اركان الدار كعادة نساء قريتنا عندما تحيض البنت واخبرتني اننا سنخرج لتشتري لي فستانا جديدا .. طلبته احمرا لكي لاتظهر فيه البقع وهناك مرت بنا احدى اخوات المسجد التي تزوجت من شهر فائت وحذرتني بشدة اياكي والتبرج لكي لايتعطل زواجك .. امرتني بالاسود لانه لايتسخ غير بالتراب .

بعكس اخوتي تأخر زواجي .. اعلم اني لامي مثل الفحم المحترق لابي فانا اقبح بناتها ونصحتني اخت في الدار بالاحتشام لاني ناقصة دين لذا لا استطيع تدبر امري فهذا علاجي لأعجل به رزق الزواج ..
بكيت كثيرا واهتديت ليلا للنقاب وبالصباح وضعت الغطاء الاسود على عيني .. اربكني بالبداية اختفاء الالوان من الاشياء ثم كنت اختلس النظر من تحت الغطاء للارض تحت حذائي فكان يزيد ارتباكي هل الاسود موجود حقا ام انه ليس اكثر من امتصاص لوني شديد الجوع لكل الالوان .. او ربما تراكمات الوسخ على الاشياء تخفيها بطبقة لاتنفذ فيها الشمس وتعتم حقيقتها عنّا .

اخيرا ، رزقت بالزوج الثري الذي قدر اني مخفاة عن الاعين محتشمة بالسواد .. وكنت رابعته بعد وفاة احدى زوجاته المنتقبات محترقة .. اسكنني قرب مقر شركته بالخليج فهنا يقيم شهرا من كل عام .. وابتاع لي السيارة السوداء الكبيرة التي يقودها السائق الهندي ذو الملابس زاهية الالوان .

الاجواء هنا حارة جدا .. حتى المنزل كان حارا وبلا نوافذ .. كالفرن كان رغم كل المكيفات ومحكم مثل عبائتي المحتشمة السوداء التي لاتصف ولاتشف ..
انما الحر كان يختفي في السيارة ذات الزجاج المعتم .. تكون باردة ومنعشة كملابسه الزاهية الالوان التي ينزعها سريعا عندما ننفرد ويغرق في خيوطها مسامي واعضائي متجولا باصابعه الباردة المهدئة .

كعادتنا ننسى قلة الهواء خصوصا مع تدخينه المستمر وهو ملاصق لجسدي .. ففتح جزء من الشباك وادار صوت الراديو قليلا ليعرف الاجواء في طريق العودة …. ثم ازاح عنه فخذي لارتدي الملابس ..
اسمعهم بتلك المحطة يتحدثون عن ظاهرة الاحتراق الذاتي وكيف انهم يجدون بعض الناس محترقين ذاتيا بدون ان تمس ملابسهم ..
يالا الرعب ، اتعرى بسرعة ، فيعود ، على الاقل لايوجد من بين هؤلاء من احترقت عارية وحولها ملابس هندية زاهية .. نحن نحترق بجهنم وليس هنا .

اليوم اعود للمرة الاولى للقرية بعد 10سنوات .. وفي سيارتي السوداء يعترض طريقنا طابور العيش امام الفرن القديم الذي مازال بطيئا في الخبيز .. تكلم احد الواقفين "” الفرن ده لازم يدهن بالزفت عشان حرارته ماتهربش لبره و يسوي العيش ، حتى لو اتحرق الرغيف حيكون اهون من الخبيز النيّ دِه "”
وقفنا كثيرا ولم نستطع العبور فرجعنا للفندق بالعاصمة .

عدت اليوم التالي بعدما اخدت الميكرباص للموقف ثم النص نقل ..
في طريقي للموقف كانت قربي ناحية الشباك طفلة ترتدي تي شيرت وشورت ابيض كانها عائدة من تمرين رياضي .. ناولتني الاجرة فسقطت من يدي كل العملات التي احملها لملمتهم من الارضية وسقط اغلبهم على ساقيها الباردتين رغم الحر .. ناولتني احدى القطع المتسللة تحت فخذها " طنط : اتفضلي .. طنط هو انتي عندك انفلونزا انتي سخنة اوي ياطنط "
اخيرا وقف "التوك توك " قرب البيت ، كالعادة المجاري تغرق كل شيء لكني لم اجد النباتات القديمة حول الترعة كلها كانت مختفية تحت المياة .. فلامست طبقتها بقدمي بلا "كزلك" وكان البوص حولي في كل شبر .. فوق واسفل مياة المستنقع التي لا تعلو ولاتهبط ولا تنتهي .

هبه يونس النيل
17 نوفمبر 2010

غلاف المجلة الامامي

غلاف المجلة الخلفي
جيولوجيا1
جيولوجيا2

شكر خاص وعظيم للأب والاستاذ والصديق ا\ رجب سعد السيد على نشر القصة المتواضعة هذه.
دمت موجهاً ، مبادراً وعظيماً.

Author:

I am a whole universe 

0 comments: